العالمُ في عينيك

وأفكر... ماذا في القادم قد أفعل ...؟! حين يكون هواء المنزل خالٍ.. من كل الأشياء الحلوة... من ترنيمة صوتكِ... من تلك الموسيقي الهادئة ومن تلك الغنوة ..

مانويلا" قصيدة بالنكهة الأيطالية

لكنها لا تصمدُ أبداً حينَ تُحبُ... وهل تطفو وسط الأنواءِ... بعرض البحر ...قوارب ورقيَّة؟!! "مانويلا"....

ريثما يأتي القطار

وفي الغروب.... قطاراتٌ تَجيء... و أُخَّر...تمضي بالحياةِ وفوقَ أرصفةِ المحطَّةِ... زائرونَ.... وناظرونَ.... وضاحكونَ... وصافرةٌ تُنادي بالفراقِ... ويزدريها العاشقونَ. وشمسُ عمرٍ تنقضي… مثل السحابة... خلفَ أدخنةِ القطارْ

أنا ...وأنت....وشجرة الصفصاف

هذي السمواتُ السبعُ شاهدة علينا... بالأمس ِكنَّا كالسَّحابةِ في السَّماءِ وكالسحابةِ قد مضينا فانطوينا... قد حَملناَ العشقَ غيثاً للوجودِ.. نطيلُ أشجارَ السعادةِ... كل يومٍ بالوعودِ وحين أَثَقلَ غيث هذا العشق يوماً مُقْلَتَيْنَا انزوينا بالفراقِ لدى الغياب... وبالغياب كما السحاب ِقد انتهينا

الفجوات السوداء

ومثل أي كويكبٍ ... قد ينقضي عبر الفضاءِ المُنسدلْ نطوي الحياةَ.... بلآ لقاءٍ نرتضيه ولا انتظارٍ للأملْ وفراقنا..... مثل الزوابع بالمحيط... يشُدُنا... يغتَالُنا... يمضي بنا ...خلفَ الوجودِ لننتهي ... مثلَ الغبارِ وننطفئ... في " الزمكانِ" المنعزلْ حيثُ الضياع.... إلى التلاشي بالثقوبِ الشاسعةْ حيثُ النهايةِ للفراغ وللعدمْ حيثُ المداراتِ الحزينة للفَناءِ وحيث أصداء التعاسة والندمْ وإلى النهاية ... قد مضينا كالحفاةِ... نَجُرُّ صُلبانَ التعاسةِ.... فوق أشواكِ التظاهرِ .. بين جدران الألمْ..

Showing posts with label قصص قصيرة. Show all posts
Showing posts with label قصص قصيرة. Show all posts

Wednesday, 26 August 2015

القيود الواهية - قصة قصيرة

"يا مازن.... ألم أقل لك أن تُرتب مكتبك بشكلٍ جيد ... كأني بك تصر دائما على أن تضرب بحديثي عرض الحائط ولا تفعل بالضبط ما أطلبه منك"..
أنتفض مازن أبن العشرة أعوام في مكانه مذعوراً عندما أتاه صوت أبيه المتوعد من خارج باب غرفته لينتزعه أنتزاعاً من محيط عالمه الخاص الذي كان لا يزال غارقاً فيه بينما يلهو بإحدى العابه الصغيرة التي ما لبث أن ألقاها بسرعة من يده  وأسرع الخطى مضطرباً مرتعداً متخبطاً مصطدماً في كل ما يقابله من أشياء وأثاث في طريقه لمكان مكتبه الصغير في إحدى زوايا غرفته  الذي لم يكد يصل إليه حتى اندمج في ترتيبه و امتدت يداه بسرعة وتوتر  في محاولة لإعادة تنظيم وتلميع  وتعديل بعض  مكونات  المكتب و بعض تلك الأشياء الموجودة فوقه علها تظهره بشكل أفضل أو أكثر نظاماً بأقصى قدر قد يستطيعه أو يقدر عليه طفلٌ في مثل عمره القصير فتكون سبباً كي ينال رضاء أبيه عليه .

لكنه وبالرغم من ذلك ففي جزء ما بداخله لم يكن يعلم حقاً لماذا قد أمره أباه بإعادة ترتيب هذا المكتب مرة أخرى ...كان مازن يدرك أنها ليست المرة الأولى التي يطلب فيه والده منه تكرار أداء شيئا ما أكثر من مرة لكنه لم يفهم أبدا لماذا ؟!! وما سر إصرار والده الدائم على إجباره لإعادة كل عمل يطلبه منه أكثر من مرة وكأنه يعاقبه على شيء لم يفعله أو على شيء لا يدركه أو ليجد له دائما المبرر المناسب لمعاقبته على أي تقصير ...

وبرغم يقينه التام بانه قد فعل كل ما يستطيع حتى ينهي ما قد طلبه اباه قدر استطاعته بل وربما قد فعل أكثر من استطاعته طلباً وابتغاءً لمرضاة أبيه وأملاً في كلمة ثناء منه قد تُطيب خاطره   ...أو تربيتةِ حنوٍ تشعره باهتمام أبيه ,أو حضن دافئ يحتويه ويأخذه من وحدته وحزنه الملازمان له ....

ولكنه وبمجرد اقترابه من غرفة أبيه ومن شيئاً ما في نبرة صوت أبيه الجافة أعلمته بأنه غير راض عنه.
ومنذ متى كان أباه راضٍ عنه ...
هكذا حدثته نفسه ؟!!
إنه لا يذكر سبباً واحدا لتغير أبيه عليه ...!!
ولا لقسوته عليه بهذا الشكل!!
ولا يعلم ما سر لهجته الجافة الخالية من أي قطرات لنبضات حنان !!
ولم يعلم أبداً ما سر غضب أبيه الدائم عليه أو منه...
ولما يختفي أباه في يوم ميلاده وينفصل عنه وعن امه رغم أنه وحيده لينعزل في غرفته وحيداً ...ويتجاهل تهنئته في هذا اليوم ولو بكلمة ....
إنه حتى لا يذكر متى كانت اخر هدية احضرها له أبيه!!
ولا لماذا عندما يلقي اليه بنظرة استعطاف تستجدي بعض القليل من مشاعر الحب والعطف يشيح أبيه بوجهه عنه مبتعدا!!!
وكيف ولماذا ذهبت واختفت كل سبل الحوار بينهما وصارا كلاهما يحيا بمنأى عن الأخر في جزرٍ منعزلة لا ترابط بينها ولا تواصل يجمعهما ولم يتبقى بينهما من أنماط الحوار سوى طلبات وأوامر من ناحية أبيه وقبول وتنفيذ منه ...
اتسعت حدقتا مازن بينما تدور في عقله حلقات غير مترابطة من كل تلك الأسئلة التي لا جواب لها تتقاطع وتتشابك وتتداخل حدودها في عقله الصغير فتعجزه، وأنىّ لبرعم صغيرٍ في مثل عمره هذا أن يعي ما تلقي الدنيا على كاهله الضعيف من تصاريف الأقدار ...
فهل يكرهه أباه؟!!...
أو انه بات يكرهه...!!
لكن ...لم يكن هذا عهدهما قط سوياً في الماضي ومنذ سنوات قليلة لايزال يذكر منها بعض من تلك الذكريات المشوشة ...
خيالا ت قليلة تطوف برأسه الصغير من حين لأخر حاملة بعضاً من ذكريات طفولة سعيدة قد بدت بعيدة للغاية ..
لكنه لا يذكر منها سببا واحداً قد يدفع أبيه لكراهيته
بل لا يذكر غير أن اباه ما اعتاد يوماً غير أن يحبه ويحنو عليه ...فما الذي تغير....؟؟؟!!
وما الذي جعل أمه واجمة صامته حزينة دائماً ....
لكنها وبرغم صمتها ووجومها فحبها إليه جلي واضح المعالم ... ومشاعرها له مفعمةٌ بالحياةِ رغم حزنها فلا يشعر بالأمان والدفء قط الا في احضانها فقط.
إنه حتى برغم ذاكرته الصغيرة لايزال يذكر سؤاله لأمه ذات يومٍ عن سبب معاملة أبيه له بهذا الشكل وعن سر صمتها وبكائها الدائم
أنه لا يزال يذكر رد أمه  الذي كان أغرب من سؤال ابن العاشرة ...
لا يزال يذكر صمتها و تربيتتها على رأسه  الصغير برفقٍ  واحتضنتنها إياه  ..
 لكنها في الحقيقة ...لم تجبه...
ولعلها لم ترغب أن تخبره بشيء
لكن صمتها عن اجابته  وإظهار تماسكها لم يمنع  دمعها ولا تلك النظرة الشاردة الحزينة التي لم يفهمها ابدا لكنه ادرك أن في صمتها ودمعها شيء من الإجابة لسؤاله وإن لم يفهم محتواه...
إن امه مقيدة ...بشيء لا يفهمه
وإن اباه مقيد عن حبه بشيء لا يعلمه...
أنه يشعر بكل تلك القيود تحيط بحياته ومشاعره ومشاعر من حوله ...قيود كثيرة
لا يراها ولا يعيها
فما سر ذلك القيد الذي ما طفق يقيدهم ويصفد حياتهم ومشاعرهم ؟!
وهل هو مخطئ في مشاعره تلك...؟؟؟
وأني لطفلٍ في مثل عمره ان يتحمل كل تلك المشاعر القاسية الحزينة
وان يتحمل كل تلك الأغلال والقيود التي تحجب عنه حب أبيه وأمه وتغل مشاعره اتجاههم
وتُلقي من حوله ما يكبل كل شيء في هذا المنزل بقيودٍ خفية صلدة لا تظهر للعيان ....
فما طبيعة هذا القيد الذي لا يفهمه ولا يراه لكنه يشعر به في كل ثنايا الحياة ...

أفاق مازن من شروده على باب غرفة أبيه المفتوح على مصرعيه فطرقه بهدوءٍ ثم  تقدم حين لم يسمع إجابة فدلف متخطيا باب الغرفة  في تجاه مكان أبيه الذي كان مشغولاً بتنظيف نظارته الطبية بهدوء فوقف مازن من وراءه صامتاً مطأطأ الرأس منكسر الهمةِ مرتعداً بغير سببٍ خائفاً من غير ذنبٍ حتى إنه لم يجرؤ ابدأ  على إصدار مجرد صوتٍ ينبه أبيه الي وجوده ...
وبعد فترة انتظار طويلة وصمت بلا طائلٍ تصنع مازن السعال حتى ينبه أبيه الي وجوده...ولما لم ينتبه إليه أعاد الكرةَ ثانيةً ثم أنصت في انتظار ردة الفعل...
حتى أتاه صوت أبيه بارداً من خلف ظهره ِبغير أن يلتفت اليه ودون أن يتحرك قيد أنملةٍ أو يهتز له رمش قائلا بلهجة قاسية:
: -لماذا لم ترتب مكتبك كما قلت لك .....؟
تلعثم مازن وارتعد وهو يجيبه:
-        بلى يا أبي قد رتبته مرتان ولكن فقط كنت ...
قاطعه أبيه بلهجة حاسمة جافة ....
-       بل أنا أقول بأنه يحتاج الي إعادة ترتيب فأذهب وافعل ما يجب عليك ولو احتاج ما اطلبه إلى عشر مرات ...
صمت مازن...بينما يكسو القلق نبرات صوته الضعيف وهو يقول: أبي هل أستطيع ان اطلب شيء؟!
صمت أحمد قبل أن يجيبه بلهجة ناهرة  ...
-       لا ليس الأن ...فليس عندي وقت لسماع أي شيء ألا ترى بأنني منشغل بشيء أخر...ثم ألم أقل لك من قبل ألا تتحدث معي عندما تجدني منشغلا بشيء أخر...
-       قالها أحمد بلهجة قاسية ثم علا صوته وغلظت نبرته وهو يضيف ...أم يبدو أنك لا تفهم ما أقوله ابداً...
عند هذه النقطة لم يستطع الصغير كبح دموعه الرقيقة أكثر من ذلك ففرت تلك الدمعة منسابة على وجنته ...ساخنة ...متحررة ..معلنه عصيانها فابتلت الأرض من تحت اقدامه كمداً ثم ابتلعتها كأن لم تكن ...
فطأطأ رأسه وارتعش جسده وكتم نحيبه الخائف خشية أستماع  أبيه لبكائه فيعنفه أكثر ...
ثم فكر للحظة بأنه وربما إن استمع أبيه الي صوت نحيبه سيثير في قلبه الشفقة عليه ...
لكن أمله في ردة فعل مغايرة لأبيه مات قبل أن يولد أذ بقي أبيه كتمثال ثلجي لم يشعر به ولم يلتفت اليه
أو يهتز لبكائه جفنه
حتى ظن مازن بأنه لم يسمعه...
فتأثر أكثر وعلا صوته بنحبيه المكتوم أكثر وأكثر
ف جاء رد أبيه قاسياً بارداً صادماً....
 ومن صوته الجاف الصارم أدرك مازن أن الأمر سيسري غير ما ظن...
-        هل انتهيت من البكاء ......تفضل من هنا حتى أكمل ما كنت أفعله فليس عندي وقت لبكاء الأطفال....
ولم يتوان مازن بتنفيذ طلب ابيه بالانصراف حتى ما كاد يهم بذلك أتاه صوت أبيه من جديد ليشعل في قلبه الأمل في تغييرٍ ما عندما أستمهله قائلا....
بعدما تنتهي مما طلبته منك لا تنم بل اذهب الي والدتك لتساعدها في....
وهنا أغمض مازن عيناه
ثم اتسعتا حدقتاه ....
وفاضت دموعهما كمداً ..
دموع صامتة حارقة كلهيب الألم المحتقن في صدره
أما أبيه فلم يحرك ساكناً ....
لكنه فقط ....
وبدون ان يلاحظه أحد
مد يده بهدوءً كي يمسح دمعةً طال أسرها بداخله  وقد آن أوان تحررها من سجن عينيه .
أن مشكلة الألم انه لا يؤلمنا فقط بل يتمادى ليؤلم كل من حولنا أكثر
حتى وأن بدا غير ذلك ....
همس لنفسه بعدما تأكد من خروج مازن
سامحني يا بني..."والله غصب عني"
ثم أغمض عيناه ببطء مسترجعاً لقطات قديمة بُعثت من أعماق عقله ....
الشمس تلقي بأشعتها الدافئة متخللة زجاج غرفة صغيرة في إحدى المستشفيات
 أصوات مختلطة تحمل التهنئة ...
بينما هو وزوجته يضحكان بسعادة مستبشرين بأول أبنائهم مازن
الضحك والفرح كبتول أزهار الربيع يملئان جوانب المنزل
بل ويزداد أكثر... بمجيء طفلٍ أخر ..."إسماعيل"
ليصير البيت كواحة في عدن...
 تنهد أحمد وهو يهمس لنفسه
-   ما أجمل تلك الأيام ....
لقطات كثيرة للحظات سعادة تدافعت بتعجل من أمام عينيه
مازن وإسماعيل كملكين يلعبان ويشاكسان ويتضاحكان. فيوزعا السعادة في كل شبرٍ في أنحاء المنزل
اجتماع الأسرة حول مائدة الطعام والصغيران يتسابقان على مساعدة اويهما في توزيع الاطباق وترتيب المائدة ...
الأضواء و الزينة تملئ جنبات المنزل  احتفالاً بعيد ميلاد " مازن " فقد بلغ السادسة وبلغ إسماعيل الرابعة ..
وحلق طائر السعادة ليرفرف بجناحيه الكبيرين على منزلهما الصغير
صراخ  زوجته فجاءة ..
إسماعيل مات....!!!
كيف ...ماذا حدث؟!!
ويتذكر أحمد كيف هرع بسرعة  ليجد أسماعيل وقد تمدد مسجيا ًبينما علت وجه الملائكي الصغير زرقة الأموات ...بينما مازن يجلس بجانبه باكياً لا يعي شيء
و لم يأخذ أحمد وقتا طويلا ليكتشف أن مازن وإسماعيل كانا يلعبان لعبة الاختفاء
كما تعودا وأنهما كعادتهما كانا يصنعان خيمة لهما من اغطية الفراش
ولكن  ما حدث في هذه المرة  أن اختبأ إسماعيل تحت غطاء الفراش وظن مازن انه يلاعبه فجلس فوق الغطاء حتى أختنق أخيه...
مات إسماعيل....
ولم يعي مازن غير أنها لعبة...
لعبة اختفاء قد بدأت وانتهت ...
لكن اللعبة هذه المرة كان اختفاؤها قسرياً وإلى الابد
لعبة أتت نهايتها بغير ما تعود عليه في كل مرة
لم تنتهي بالضحك...
ولكنها انتهت بالبكاء والعويل
..لم يستوعب عقله الصغير يوماً لماذا لم يجيبه أخيه النائم عندما نادي  عليه ولا لما لم يتحرك حين ربت عليه ...
لم يتفهم تلك النظرات في عيون كل من حوله ...
نظرات اتهام وغضب لم يتعود عليها
لم يعد الطفل البريء في أعينهم بل صار الصغير قاتل ...!!!
قاتل بريء مع صدق المحبة !!
قاتل لم يعي حتى يومه هذا بأنه قاتل... ولم يفهم كيف ولما قد صار قاتلاً؟!
وكيف لم يسامحه أباه ابداً منذ ذلك اليوم؟!
ولا كيف صارت كل تلك القيود في يديه بغير أن يقيده أحد!
وكيف صار أباه مقيداً عن حبه ...!!
وكيف صارت أمه مقيدة عن اخباره بلهيب الحقيقة وأكتفت باحتفاظها بين جنبات صدرها حتى لا تشعره بالذنب وتهدم روحه المنطلقة...
لقد سلسل المنزل بقيود خافية لم تمحي ولم تفك من يومها ...
وحاول أحمد كثيراً أن يستعيد عافيته من تلك المحنة الصعبة لكنه وزوجته على مدار سنوات لم يستطيعا أبداً تخطيها
فهناك شيء ما قد تكسر بين جدران هذا المنزل
حاول تقبل منطق أن الحياة يجب ان تستمر
حاول كثيراً ان يتقبل حقيقة أن مازن طفل...
 وأن قتله لأخيه كان مجرد مصادفة قدرية ...
أو حتى خطأ لطفل غير محاسب ولا مسئول عن تصرفاته ...
حاول تقبل ان مازن بدأ يعاني ويشعر بقسوة أبيه عليه وأن معاناته بدت تؤثر على تفكيره وصحته النفسية والجسدية
حاول أحمد كثيرا غير أن كل محاولاته دائماً ما كانت تبوء بالفشل على مدار كل تلك الأعوام السابقة...
أغمض أحمد عينيه محاول اِجتِرار المزيد من تلك الذكريات من أعماق عقله التي تمر كشريط سينمائي من أمام عينيه في لحظات معدودة
لكنه تنبه فجأة على شيء ما ...
شيء بعث من أعماق نفسه كضوء سطع في نهاية نفق مظلم
سطع حتى اضاء نفسه المظلمة بشيءٍ من اليقين ...
يقين ...أيقظ داخله أحساس ما
يقين أن هناك حقيقة جلية
ومشاعر أضاءت قلبه وعقله بأنه يحب ابنه مازن ...
فإن كانت الأقدار قد أفقدته في لحظة إسماعيل ...فيجب عليه الحفاظ على ما قد تبقى لديه
صحيح بأنه ومنذ تلك الحادثة ولسبب لا يعلمه بالتحديد أصبح قلبه مقيداً عن مصارحة ابنه الوحيد بمشاعره وإشعاره بحبه واهتمامه...
فلقد القى مقتل إسماعيل بقيود جمة على أحمد ...
قيود تكبله عن التواصل مع أبنه الوحيد...
قيود حاول مراراً كسرها ولكنه فشل....
حتى زوجته ...خلفت الحادثة بينهما حاجز كبير
انه قيد اخر ألقي على كاهله...
نعم كان إسماعيل ابنه الصغير المدلل
لكن مازن هو ابنه الكبير
اول فرحته
ومنتهى سعادته
مازال يذكر يوم أن بشر بمولده
يذكر أولى خطواته...
وأول كلمة نطق بها مازن
تذكر فرحته حين ناده بأسمه وقال ابي....
تذكر كيف كان مازن هو ذلك المخلوق الوحيد القادر على إضحاكه عندما تشتد عليه الكروب وتقسو عليه الدنيا
كم من مرات حاول فيها مازن أن يقترب منه بعد الحادثة ليحتضنه وينقل اليه مقدار محبته له
ما ذنب هذا الصغير الذي لم يتعد العشرة أعوام في كل ما حدث
وكيف تحمل قلبه الصغير كل تلك القسوة والإذعان دونما تذمر او شكوى
لم تكن له غير الدموع والصمت...
أوووه يا بني كم قسوت عليك دونما ذنب
لكنني منذ الأن اعاهد الله بأن أبذل جهدي لإسعادك وأن أحاول اصلاح كل ما مضى
لا يجب علينا إلا بأن نعود مثلما كنا ...وأن نمضي قدماً لنغزل ازهار السعادة في حياتنا ومستقبلنا
ولا يجب علينا إلا بأن نكسر كل تلك القيود التي أحاطت حياتنا
وهنا تراءت أمام احمد صورة مازن بابتسامته الطيبة النقية
فابتسم احمد قائلاً : نعم بني..
انت زهرة حياتنا التي انعم الله بها علينا ..
لقد جعل الله فيك العوض لنا لكننا لم نتفهم ذلك بعقولنا الضيقة الصغيرة مغزى الابتلاء من الله ...وأوقفنا حياتنا على ماض لن يعود وتركنا حاضرنا يذبل بين أيدينا
وازدادت ابتسامة احمد وجال بخاطره أن ينادي مازن وزوجته ليحتضن كليهما بحضنٍ دافئ يعوضهما عن كل ما مضى.
فإن كانت السعادة قد خلقت لكي نتشاركها فالألم خلق لكي نتجاوزه معا

عدّلّ  أحمد عن فكرة  النداء ...وأنطلق خارجا من غرفته بعدما قرر أن يذهب لغرفة زوجته وغرفة مازن كي يفاجئهما معاً...فمن أخطأ في يومٍ بحساباته المتعلقة بمشاعر البشر عليه تحمل جوانب اللوم الذاتي وتقبل الاعتراف بأخطائه مهما كلفه ذلك..
لم يتم أحمد خطواته تجاه غرفة زوجته سلوى...اذ سرعان ما وقع نظره عليها وقد استرخت جالسة على كرسيها المفضل وبيدها كتاب صغير ببهو المنزل ...فأقترب منها بتروي واضعاً أحدى يديه على كتفها ومربتاً عليه بحنانٍ.. فانتبهت والتفتت بهدوء ناظرة اليه نظرة حب ٍوامسكت بكلتا يداه...فأنهضها برقة...واحتضنها برفقٍ...فنمت على وجهها ابتسامة سعادة من استعاد حياته لتوه  بعد فقدانها ...
أبتسم ثم وضع أصبعه امام فمه علامة الصمت وأشار إلى غرفة مازن في نهاية الرواق  ثم أماء إليها بأن تتبعه نحو الغرفة فسارا معاً متوجهين لغرفة مازن بعدما أدركا من الضوء المتسلل منها بأنه لايزال مستيقظ وقد احتضنا كلاهما يد الأخر كروحٍ واحدة تحررت لتوها بعدما كسرت قيدها ...
اندلفا الزوجان من الباب المفتوح لغرفة مازن ببطء وهدوء محاولين ان لا يفزعاه...
وتنقلت اعينهما في الغرفة تبحث عنه حتى التقت به.
كان مازن نائماً كملاك صغير على فراشه وقد استرخى جسده بينما احتضن بودٍ احدى ألعابه المحببة وفي يده الصغيرة كتاب كان اباه قد اعتاد قرأته له عندما كان صغيراً....
وبدا مازن كما لو كان قد غرق في سبات عميق لا يبتغي الاستيقاظ منه.
 فلعل نومه يهبه حلم قد يأخذه إلى عالم أجمل من عالمه هذا ...
همت امه بأن توقظه ولكن إشارة واحدة من يد أحمد كانت كفيلة بأن توقفها ..
كان احمد يرغب في قضاء أطول وقت ممكن يتأمل فيه النائم بهدوء الملائكة...
كان يشعر بأن في داخله شوق كبير وحب قد تراكم لسنوات طويلة تجاه ابنه فجاءت نظراته اليه وكأنما يراه لأول مرة أو كأنه لم يره منذ سنوات بعيدة.
اقترب احمد من مازن بهدوء وجلس بجانبه عل الفراش يداعب شعره واضعاً رأسه فوق صدره وهو يحتضنه بشوق كل تلك السنوات الماضية وما عاد لديه أي رغبة سوى تعويض زوجته وابنه عن حزن كل تلك السنوات. بينما وقفت سلوى تبتسم وتتأملهما معاً بسعادة ورضا...
وفي رقة بالغة ربت احمد على شعر مازن وانسابت يداه تتحرك برفقٍ على رأسه بهدوء لتوقظه من سباته ...
 لكن مازن كان ذهب في سبات عميق...
أعمق بكثيرٍ مما يتخيل الجميع...
فحاول أن يهزه بقوةٍ  ...
لكن أي من هذه المحاولات لم تفلح....
وحينها أدرك احمد ان الأوان قد فات ...
وان القدر لم يمهله حتى يصلح خطئه ويعوض ابنه ما قد قاساه بغير ذنب طوال تلك السنوات.
انتبهت سلوى إلى هدوء مازن التام وأنه صار لا يحرك ساكناً.....
وبأن رأسه الصغير قد سقط على صدره منبأً بمعنى النهاية ...
 فاندفعت صارخة تلقفه بين احضانها بهلعٍ ولهفة وهي تبكي
أما احمد فقد رفع يده الي عيناه المشدوهتان محاولاً دفع هذا السيل من الدموع التي ما باتت ترغب أن تتحرر....
وعلى  فراش مازن الصغير ...
تجاور الزوجان وقد احتضنا بحزن العالم كله في قلبيهما هذا الجسد الممدد فوق الفراش ....
وبكيا كما لم يبكي من قبل بشرٌ ...
بكيا وعلا صوت بكائهما وأشتد نحيبهما مجسداً لكل معان الحزن الممتدة جذوره في قلبيهما
 بكيا.... فقط.

 كطفلين....

الجدار - قصة قصيرة

 
  اِلْتَقَطَ أنفاسه بصعوبةٍ محاولاً كبح جماح لهاثه الُمتسارع..
بينما يلقي بجسده مستنداً على ذلك الحائط القديم وهو يمد كلتا يديه و يرفع ساعده محاولا إيقاف تدفق طوفان العرق المنساب بغير توقف على مسام وجهه ..
أدار رأسه مرتعباً من وراء ذلك الحائط محاولا مد عينيه الصغيرة كي تخترق حدود ستائر الظلام المنسدلة من أمامه في محاولةٍ لاستيعاب أي من تفاصيل ملامح هذا المكان من حوله  ...
تحركت عيناه بتوترٍ وخوف وهو يلقي بنظره من وراء الحائط في اتجاه الطريق مترقباً لبوادر انبعاث ٍلأي بصيصٍ من الحركة قد يدب في ذلك الظلام الساكن...
طمئنه ذلك الهدوء النسبي في محيط المكان من حوله فأسند رأسه على الحائط وتنهد بخوفٍ حذر ثم رفع رأٍسه ببطء متأملاً  بتوترٍ وقلق تفاصيل المكان من حوله
...منزل قديم متهدم...يقع فوق تلة تطل على نهاية الطريق... لم يتبقى منه سوى بقايا لإطلالٍ جاثمة فوق إطار الزمن تتخللها بعض الجدران المنهدمة والذكريات المنسية المبعثرة ...

أسند مؤخرة رأسه  بهدوء ٍعلى الجدار من خلفه وأرخى جسده المنهك ...ثم أغمض عينيهِ  فتسارعت في جوانب عقله خيالات كثيرة تنساب  لتفاصيلٍ عديدة  قد  سبقت تواجده في ذلك المكان مرت مندفعة كشلال بريٍ يتدفق بلا هوادة...
...جميلة.... زوجته.....
"حسين" و"هناء" أبنائه....
مسدس ...
دماء متناثرة...
رفع كفيه نصب عينيه وهو يقلبهما ببطءٍ متأملاً بتمعنٍ راحتي يديه وكأنما يبحث بين تفاصيلهما عن شيٍء ما ثم تمتم بشرودٍ.... هذه الأيادي أبداً لم تقتل ...أبداً لم تقتل.....
ثم رفع رأسه وهو يفكر ..إذ...كيف  يمكن أن يقتل وهو الذي قد عاش  طوال حياته  مسالماً وكما يقول الناس عنه  "يمشي بجانب الحائط" حتى ظن الناس به ضعف الشخصية و ألقوه بصفات الجبن  فصار مثاراً لسخرية زملائه وجيرانه وحتى زوجته .....
لكنه كثيراً ما تحمل ...
وكثيراً ما كظم غيظه ...
فقط من أجل أبنائه ...
فلو خُير بين أن يضحي بعمره  كله وبين سعادة أبنائه لأختار أن يضحي بعمره بلا تردد...
عم ...ربما في أوقاتٍ كثيرةٍ أحس بالحزنِ ...أو شعر بالغضب أو الحنق ...ربما حتى قد انتابته بعض مشاعر الكراهية...نعم ...ربما حدث ذلك
لكنه أبداً لم يقتل...
أطرق برأسهِ واجما ًوهو يهزها أسفاً متمتماً ...
-       أبنائي " حسين وهناء" ...كم افتقدهما حقاً
كم أتمنى رؤيتهما ولو لدقائق قليلة......
قالها وهو يتأمل ميدالية صغيرة بشكل قلبٍ تحمل صورتهما معاً
ثم تراجع بظهره صادماً مؤخرة رأسه بذلك الجدار من خلفه وكأنه يعاتبه ...
أو كأنه يعاتب  ذلك العالم القابع من خلف هذا الجدار...
_ يا ليتني كنت  كَذاَ الجدار ....
قالها وهو يرفع يديه ليمسح بأنامله  تلك الدمعة الساخنة الفارة من مقلتيه ...
ولكن سرعان ما انتفض جسده ورفع يديه بخوفٍ كي يحمي عيناه بعدما أنارت وجهه بقعة ضوءٍ ساطعةٍ قد سلطت على مكان تواجده تصاحبها أبواق سيارات الشرطة وضجيج خطوات الجنود الذين قد انطلقوا مسرعين للقبض عليه...
لحظات مرت خاطفة كوميض البرق.....
كان أحمد يعلم  ومن لحظة هروبه بأنه هالك لا محالة...
بريء.....
ربما ....
لكنه لم يستطع اثبات براءته
فالكل قد وقفوا ضده ....
يدركون براءته لكنهم قبلوا أن يلطخوا براءتهم هم  بشهادة الزور ...
هكذا فكر...
وهكذا قرر أن يهرب عندما توانت له الفرصة
فكل أمله أن يرى أبناؤه فقط قبل أن يموت...
لكن ...هربت جميلة...
وأخذت أبناؤه...
بعدما أتهمته بقتل خالد زميلها في العمل...
ما أغرب هذا العالم !!
خالد ...عشيقها ....
كم كنت مغفلاً ...
هكذا حدث نفسه وهو يلومها على حسن ظنها بالبشر وانطلقت قبضتا يداه لتدق على الجدار بدقات متتالية وبعنفٍ زائد قبل أن يتراجع ممسكاً كلتا يديه بالأخرى بعدما ألمته الضربة.
 فتحسس قبضته ثم ربت بيديه على الجدار كأنما يعتذر له هامساً في شرودٍ وقد أغمض عينيه: ما أقسى البشر...
وتحسس الجدار الذي بدا كما لو كان مبتلاً بدموعه ثم همس:
لعل بهذا الجدار قلباً أحنُ وأصفي من كل قلوب هؤلاء البشر...
ثم تمتم .... كم أغبطك يا ذا الجدار ...يا ليتني مثلك .... أويا ليت البشر. ...!!
أنتزعه من أفكاره تلك ...ذلك الضجيج المرتفع لتلك الأصوات الصاخبة ذات النبرة التهديدية المصحوبة بطلقات تحذيرية انتشرت في كل انحاء المكان..
-       سلم نفسك يا أحمد المكان كله محاصر لا داعي للمقاومة فالأمر محسوم ...فلا تضيع نفسك...

أبتسم أحمد ابتسامة حزينةٍ وابتلع مرار ألمه ثم مد يديه لكي يكفكف بها دمعه الذي ما انفك ينساب بلا توقفٍ ثم قال هامسا ً ...
ما احسب غير أنني قد أضعتها منذ زمن طويل....
ربت أحمد على نتوءات الجدار بحنوٍ وقد أحس بفيض حرارةٍ تسري في جسده البارد من ذلك الدفء الذي يشع من بين مسامات الجدار ثم امتدت يديه بتوتر واضطراب تتحسس حافته كأعمى يبتغي طريقه.... حتى  تحرك خارجاً من وراء الجدار ...

تسلطت كل الأضواء على نقطة واحدة ... وتعلقت كل العيون بها  وعدلت كل الفوهات المتأهبة للإطلاق من أوضاعها في تجاه تلك البقعة التي خرج منها أحمد...
 خطا أحمد بتوجسٍ خطوة اخري إلى خارج الجدار فصار أكثر وضوحاً لمطارديه...
ثم نظر إليهم بهدوء وأبتسم ابتسامة رضا بينما تمتد يديه لتتحسس شيئاً ما قد أُخفي بين طيات ثيابه أو في جوانب صدره من أسفل قميصه الممزق...تحسسه حتى وجده فأخرجه بتوترٍ قابضاً عليه بكلتا يديه بشدة ومحتضناً إياه بحنوٍ فوق صدره ...
مد يديه بترددٍ واضطراباً مشيراً بها في تجاه هؤلاء الجمع المحيط بينما بدت يداه وكأنها  تقبض على شيئاً ما  أو ربما على لا شيء على الأطلاق... ...
وفي ذات اللحظة وبلا ترددٍ...

انطلق اعصارٌ من رصاصات تلك الفوهات المتأهبة من شتى الاتجاهات المختلفة ليسقط مُبللاٍ أديم الأرض كأمطار الشتاء...
وتصدع حين بللٌ بالدموع...
أو لعل تصدعه حين بللٌ بالدماء
 لكنه وحين أغرق بالبكاء...
لم تُكذب الأعينُ
إن الدم قد سأل ساخنا ًمن قلب هذا الجدار...

الضوء الساطع - قصة قصيرة

"لا تنسي إحضار طعام القطة ولا تتأخر عني وخذ بالك من نفسك ومن الأولاد"
استعاد تلك الكلمات التي أوصتها به زوجته قبل ذهابه بينما يمسك مقود السيارة بكلتا يديه وهو ينظر في المرأة على المقعد الخلفي للسيارة متأملاً أولاده" ياسمين" و"سليم "
وهم يضحكون ويشاكسون بعضهم البعض
- الحمد لله...
هكذا حدث نفسه وهو يتذكر كل تلك السنوات التي قضاها وزوجته في مساعيهم
للإنجاب وكل تلك المحاولات التي أرقتهم واستفذتهم جسدياً ونفسياً ومادياً على مدار العشرين عاماً الماضية والتي هي عمر زواجهم حتى أكرمهم الله وأقر أعينهم منذ ثلاث سنوات "بياسمين" و"سليم"...
ما أشبه هذين التوأمين جميلي الطلعة والطباع...رقيقا الملامح بملكين قد هبطا من العلياء كي يغيرا حياتهما ويبعثا في أيامهم الخامدة روحاً من الجنة ...
ما ألطفهما واهدئهما. وإن كانت ياسمين الأكبر من توءمها بدقائق قليلة قد تبدوا كأكثر حركة منه وأكثر نشاطاً ومشاكسةً.
ربما فقط تأخر كلامِهما هو ما يؤرق والديهم الأن...فالتؤم حتى الأن لم ينطقا سوي بكلمات بسيطة لا تستطيع استيضاحها ولا تفرق بين حروفها المتداخلة ...
انهم حتى لا يعرفون أسمائهم بشكل جيد إن ناديتهم بها ...!!
- هذين الملكين يحتاجا الي رحلة طويلة ....
هكذا قالها لنفسه وهو يتنهد كلمات قليلة تعلوها مسحة من الحزن قد كست صوته وألّمت بملامح وجهه ...
- الحمد لله .. اليوم رزقنا الله بطفلينا و صارت عندنا سيارة صغيرة أن شاء الله .. غداً تتحسن الأمور ....
- أوووف الجو اليوم حار جداً....
قالها وهو ينحرف بالسيارة ببطء متخذا طريقا جانبيا ً صغيراً في تجاه المتجر الذي قد اعتاد على الدوام أن يشتري منه اغلب مستلزماته وأكثر احتياجاته ...
ولكن فيما يبدو إن شدة الحرارة والزحام كلاهما ُقد أثرا عليه بحيث أنه لم يتبين تلك السيارة التي كادت أن تصطدم بسيارته الصغيرة حتى أنتبه في اللحظة الأخيرة فعدل من وضع السيارة لتفادي الاصطدام...
- أوووف الحمد لله جت سليمة ....
قالها بابتسامة رضا ورغم أنه بطبعه لا يحب القيادة ولكن للضرورة احكامها التي لا مناص منها ولا مفر من تتبعها ...
- تماسكوا يا أولاد .... وتوقفوا عن المشاكسة فقد قاربنا على الوصول

ألقى نظرة سريعة على مدخل المتجر...فأيقن منذ اللحظة الأولى بأنه لا مكان له لكي يوقف سيارته في هذا الزحام الشديد...
وبينما يعمل عقله جاهدا على إيجاد بديل مناسب وفي ذات اللحظة تحركت إحدى السيارات المتوقفة لتخلي مكانها ...
- أخيراً ....قالها بسعادة لم تتم اذ سرعان ما انحرفت سيارة أخرى كي تتوقف في مكان السيارة التي تحركت مبتعدة وتحتل مكانها
أوووف ...قالها بعصبية تلك المرة وهو يطرق بأنامله على مقود السيارة ويفكر في حل .. ..
وعندها قرر بأن أفضل الحلول هو أن يذهب إلى متجر أخر يبعد بمسافة بعيدة إلى حد ما عن هذا الذي تعود على الشراء منه فأدار مقود السيارة وانطلق بالسيارة مرة أخرى ...متخطياً بحر الزحام ..و قاطعاً مسافة كبيرة بينما تعلو شفتيه ابتسامة رضا هو يتابع بعينيه من وقت لأخر في مرأة السيارة مشاكسات الأطفال في الخلف و الذين لم يكفوا لحظة عن الصياح واللهو
مر الوقت ببطء وهو ينتقل من شارع لأخر ...فالمدينة تبدو اليوم في أوج ازدحامها والانتقال عبر دروبها من مكان لأخر يستنزف الوقت والجهد ...والمتجر الذي يقصده يقع بعيداً على طريق رئيسي في اخر المدينة...

- وأخيراً...
لفظها وهو يطلق تنهيدة حارة ويلقي بعينيه نظرة فاحصة على اللافتة التي تعلو المتجر الذي قصده......ثم أدار رأسه في اتجاهات عدة قاصداً البحث عن مكان لإيقاف سيارته الصغيرة لكن بحثه على ما يبدو لم يصادفه التوفيق مما يستوجب عليه ان يقطع مسافة أخرى لإيقاف السيارة في مكان بعيد نوعا ًثم عليه بعدها أن يعود الي المتجر سيرا على الأقدام.

ألتفت للخلف وهو يطلق ابتسامة حب لأطفاله بعد ان أوقف سيارته في مكانها المخصص بدون عناء وقد استعد لإلقاء بعض عبارات التحذير و الطمأنينة السريعة على اسماعهم بعد أن فكر بأن الأنسب للأطفال هو تركهم بالسيارة بدلاً من تعريضهم لمجازف عبور الطريق ومخاطره ..
- الأفضل أن أذهب لإحضار طلبات المنزل وأعود سريعاً...فالمتجر في نهاية الشارع على بعد أمتار قليلة في الناحية المقابلة هكذا تمم محدثا نفسه قبل ان يرفع صوته: "ياسمين"," سليم"....
سأذهب لإحضار بعض الأشياء سريعاً من فضلكم عليكم أن تبقوا في السيارة هادئين ,لا يشاكس أحدكم الأخر ولا يعبث أحدكم في أي من أجزاء السيارة وعموماً سأغلق السيارة من الخارج ولن أتأخر.... فقط دقائق قليلة وأعود.
قالها ثم احتضن كلاهما بحنوٍ بالغ
ثم ألقي إليهم بابتسامة طمأنينة فضحكا حتى أشرق وجههما. وإن لم تبد على أي منهما أي علامات على أن أي منهما قد فهم شيئاً من حديث أبيهم ماعدا ذلك الجزء الخاص بنبرة صوته الهادئة الحنونة التي وإن لم يفهما فحوها لكنهما لم يخطئا ابدأ كل هذا الفيض من موجات الحب والطمأنينة التي تبعثها تلك النبرة في قلوبهما ...فلم يكد يبتعد اباهما بخطوات قليلة حتى اندمجا في ضحك ومشاكسة لكل منهما للأخر ...

خطا بخطوات سريعة مبتعداً عن مكان السيارة باتجاه نهاية الشارع قبل أن ينعطف بتعجلٍ محاولاً اكتساب مزيداً من الوقت بعبور الشارع في أقرب نقطة للمتجر.
تحسس جيبه للاطمئنان على حافظة نقوده ليتفاجأ بأنه على ما يبدو قد نسيها ..وعندها وكعادته تحسس جيبه الأخر للتأكد من وجود بعض النقود الكافية لشراء مستلزماته ليطمئن إلى وجودها

ألقى نظرة سريعة في كلا الاتجاهين قبل أن يخطو عابراً محيط الشارع بسرعةٍ وتوتر
وقد جال بخاطره للحظة أن كل ما يجب عليه فقط هو الإسراع لكي يعود لأطفاله الذين لا حول لهم ولا قوة وقد يقتلهم المكوث في السيارة إن تأخر عليهم.
........................................
الفاصل بين الأبيض والأسود شعرة...
والفاصل بين الموت والحياة لحظة ..
وتلك اللحظة هي الفاصل الذي جعله لم ينتبه إلى كل تلك الأصوات التي تناديه محذرة ولا إلى هذا الصوت المفزع لسيارة طائشة ليس بينه وبينها سوى لحظة واحدة ....
لحظة واحدة قبل الاصطدام....
كم هو صغير ذلك العالم ...الكبير جدا
كم هو صغيرٌ حينما نكتشف بأن الحياة كلها لا تساوي سوى تلك اللحظة ...
عندما تتوقف عجلة الزمن للحظة واحدة.
لحظة واحدة...
لحظة واحدة كفيلة بأن تغير أشياء كثيرة
وكأن كل شيء كان يسير بسرعة ما .... وفجأة توقف وصار يسير ببطء فوق العادة...
كل شيء يسير بقوانين غير تلك التي نعرفها وتعلمناها ..
لحظة واحدة تفصل بين الحياة وما بعدها وسواها.
لحظة واحدة تجعلنا نفكر ألف مرة....
وتلقي في عقولنا ألف فكرة....
وتسترجع لقلوبنا ألف ذكرى ....
وقد مر في تلك اللحظة أمامه شريط طويل من كل تفاصيل حياته...
مر بسرعة أو ببطء لا يعلم حقا ....
فالزمن لا مكان له هنا...
كل هذا في لحظة....
لحظة سرمدية الزمن....
رأي بها تفاصيل كثيرة وخيالات كثيرة لكنه يعلم علم اليقين بأنه لن يعود في تلك المرة كي يرويها لأحد...لا زوجته ولا اطفاله ولا غيرهم
كل تفاصيل حياته تتسارع...
زوجته.... عمله.... اطفاله....
-نعم أطفالي...وعندها صدرت منه أهة مكتومة بدمعة أنين لا ارادية  قد انسابت على وجنتيه...
كم سأفتقدهما .....
وتوقفت اللحظة فجاءة كما بدأت...
وكأن بتلك الكلمة يقع مفتاح السر...
تنبه للحظة ووعى عقله المشهد
ألوان كثيرة تخترق حواجز عينيه
تفاصيل كثيرة ما بين الأبيض والأسود تتتابع بلا خيطٍ فاصل
ظلمة شديدة ....
ضوء ساطع...يذهب ويأتي
أصوات مختلطة ...
تبدو بعيدة وكأنها تأتي من اعماق سحيقة
أصوات متداخلة يميز بعض حروفها ....
- لاحول ولاقوة إلا بالله!!
- صدمة المجرم وهرب!
- سيارة طائشة ...
- فليطلب أحدكم سيارة الإسعاف !!
- حاول أن تنطق الشهادة يا رجل !!
اقترب أحدهم منه واضعا رأسه النازف في حنوٍ بالغٍ محاولاً تلقينه الشهادة
فقالها ببطءٍ ثم تمتم، وهو يشد علي يد الرجل...
اطفاااااا،،،
انتبه أحدهم إلى تمتمته التي يبدوا من خلالها وكأنه يحاول قول شيئاً ما
- ماذا يقول ؟!! إنه يحاول ان يتمتم بشيء ما.... لعله يخبرنا بشيء؟!!
- لا يا رجل أنه هذيان الموت وما أحسبها الا همهمات بلا غاية،،،،،
بقعة كبيرة من الضوء الساطع ......
تقترب وتبتعد. ثم تسطع فجأة لتتلوها ظلمة حالكة .....
تباعد الحشد من حوله محاولين إفساح الطريق لسيارة الإسعاف التي أتت كعادتها متأخرة وسط استنكار وحزنٍ من كافة المحيطين بالمشهد....
 - تأخرت سيارة الإسعاف لقد انتهي كل شيء. ...
 - هل يعرفه أحدكم. ؟!.... سأل المسعف:
 - رحمه الله ليس معه أوراق هوية
أماء المسعف برأسه علامة الفهم وهو يقول:
-  حسناً هنالك الكثير من الإجراءات القانونية الواجبة وإذا لم يتم التوصل لهويته خلال فترة معينة سيتم دفنه في مقابر الصدقات
انطلقت سيارة الإسعاف وأنّفضّ الحشدُ كل في طريقه....
وهنالك .....
وعلى مسافةٍ ليست ببعيدة .....
وفي سيارةٍ صغيرة مؤصدة الأبواب ....
على مقعدها الخلفي ....
يرقد طفلان كملائكة الفردوس...وقد اِتَّكأَ كلٌ منهما على كتف الأخر...

وعلى ما يبدو...فقد استرخت أجسادهما وبدا كما لو كانا قد أغمضا عينيهما وذهبا في سبات عميق جداً ....

.ضد مجـــــــهول!! قصة قصيرة


ترى لماذا يخاف الجميع من ذلك المنزل؟ !
 هكذا سأل نفسه بينما تحبو عينيه في هدوءٍ متنقلة على زواياه و مُربتةً  بتوجسٍ على كل ثنايا ذلك المنزل القديم المتهالك في نهاية الشارع وقد بدا غارقاً في ظلمته الحالكة وكأنما قد امتدت تلك الظلمة التي تكسوه لكي تصبح لونً ملازماً له..
رفع رأسه بهدوء وقد أوشكت الشمس الذاهبة بأن ترفع أياديها الحمراء عن ساحة العالم وهي تلفظ  بهدوءٍ أخر أنفاسها في لحظات  الغروب ...
توقف متأملاً  كافة أنحاء المنزل للحظاتٍ محاولاً لملمة تفاصيله الكثيرة , متفحصاً في توجس كافة ملامحه المخيفة
وقد بدا المنزل أمامه كأطلال شبحٍ عملاق وبدت نوافذه المغلقة ذات الزجاج القديم المُترب كما لو كانت عيون داكنة منفتحة على اتساعها من أعماق الجحيم تحيط و تترصد كل تفاصيل العالم من حوله ..
لماذا !..ما سر  ذلك المنزل الذى يروى البعض عنه أحاديث عجيبة هي أقرب للأساطير..

وما كل  تلك الحكايات والقصص التي يتندرون بها في جلساتهم و أسمارهم.....
إنها بالفعل تبدوا وكأنها مترادفات كثيرة ولكن كلها في النهاية تعطي معانٍ قريبة للغاية...العفاريت ....النداهة ....البيت مسكون  بعُمَارهِ  ...يقطنه الجان....بوابة للعالم الأخر...
كل تلك الكلمات تجري على ألسنتهم بخوفٍ وخشيةٍ وتوجس...يقولونها دائما كعبارات غير مكتملة سرعان ما يقطعونها بالصمت المبهم الطويل ثم ما يلبثون بأن يتلفتون  يميناً ويساراً ثم يتعوذون و يتحولقون .....أو يقولون ..."بعيد عنك و عن السامعين" .......
و لكن  لعل  هذا هو ما قد اعتاد عليه أهالي قريتنا الصغيرة دائماً...
فهم ينسجون حكاياتهم  الغريبة من لا شيء ...
ولعل هذه هي عادة أهل الريف في زماننا هذا و خاصة في قرية نائية قد نسيتها الدنيا وسقطت من ذاكرة العالم كقريتنا تلك...
و بينما العالم من حولنا قد خطى خطوات واسعة نحو المستقبل فلا نزال  نحن نحيا في قريتنا تلك كما لو كنا في العشرينيات من القرن الماضي .... و لكن لماذا يهابون هذا المنزل القديم و يخافون منه؟؟
هل هي ظلمته الشديدة الحالكة؟؟؟
هل هو منظره الباهت  المفزع ....؟!
أو لعله طرازه القديم الغارق في الكأبة والذى يعود بك الى قرن مضى.....
هل هو صمته المقبر المخيف...ام لكونه مهجورٍ منذ عقود ...
أم بسبب كل ما توارثناه عن كل  تلك الجثث  الموجودة في الداخل  لإناس يقول أهل القرية بأنهم يشعرون بهم يتحركون  ليلاً ويقولون أنه وفي ليال قمرية معينة يسمع الناس أصوات صراخ ٍمفزعٍ ويرون أضوائاً مخيفة تأتي من الداخل
إنهم يقولون أنهم  يرون أشياء كثيرة....
لا..لا..فما أحسب كل هذا إلا محض خيالات قد أنجبتها مُخَّض الخوف المتوارث ..وما يقيني إلا بأن ما يخيفهم  في الحقيقة هو الخوف نفسه.... إنهم يخافون من أشياء كثيرة ولكنها في الحقيقة لا شيء.......

أنهم مختلفون عني ....وأنا مختلف عنهم  ...
أو هذا ما يجب أن أكون عليه ...
وكيف أكون مثلهم وأنا من قد ذهب إلى الجامعة و تعلم الكثير والكثير ..
وعَلمِ من مشاهدات الحياة  ومن تجارب الواقع ما لم يعلمه أبداً أهل هذه القرية من البسطاء فلا يخيفني الظلام ولا يفزعني  ذِكرُ الجان والعفاريت...
أَسدلَ الليلُ كاملَ سدوله وأَتمَ أغلاق مزاليجِ أبوابه المحصنة على خبايا عالمه الخاص ...
وكأنما قد بدت تلكم الليلة أكثر إظلاماً من كل الليالي عداها ...
هكذا أُلقي في روعهِ بينما يتقدم ببطيء ليقترب رويدا رويداً من هذا المنزل و من حولهِ  بدهشةٍ و خوفٍ تلاحقه عيون الناس وتترصده .. ومن خلفهِ تتناثر أصواتهم كأحجار رجم مؤلمة  تُلقىَ في ظهره بينما تمتلئ أوداجه بشيء من مشاعرالفخرالناجم عن كونه قد صار محل انتباه وتركيز الناس ........ولما لا؟؟
أليس  شجاعاً ..أليس هو الوحيد الذي قد  جرؤ على  التفكير في تحطيم هذه الأسطورة....أسطورة الخــــــــــــوف..
تمر اللحظات عصيبة.... بطيئة..... .بطيئة....
..يقترب اكثر من البيت
صارت الأصوات المختلطة من حوله أوضح وأقرب .....
أرجع ؟؟... عد.؟؟ مجنون..
الأصوات تزداد ابتعاداً وخفوتاً.. كلما أزدادت خطواته  أقتراباً من المنزل.......
الأن باتت ملامح البيت كأوضح ما يكون...
أوووه ...يا الله يا له من منزل بشع المنظر, كئيب اللون
هكذا قال لنفسه وهو يتأمل المنزل و قد بدا كوحشٍ متخمٍ  شرهٍ قد أبتلع كل ضحاياه لتوه ولم يكتفي بل عاد  يرغب في المزيد...
  تسمرت قدماه لبرهة ونظر للبيت نظرة شاردة ...ثم ألتفت للخلف ببطيء ملقياً نظرة أخيرة على كل ما هو خلفه قبل أن يسرع الخطى قاطعاً تلك الخطوات الباقية  غير مبالٍ بصراخ الناس ومحاولتهم إثنائه عن مقصده...
سَكنَ للحظةٍ محاولاً إستعادة رابطة جأشه قبل أن يخطو خطوته الأخيرة إلى داخل المنزل و قبل أن ينغلق الباب ...
 شاهد الحشد المحيط بالمنزل و لأخر مرة ذلك الشاب الصغير و هو يرتفع في الهواء و كأنما قد حملته أياد خفية في داخل البهو قبل أن ينغلق الباب فجأة وبعنف وبصوت صريرٍ مخيفٍ مفزع على صرخةٍ مدوية  أنتزعت صرخات الرعب من عيون الناس وانخلعت لها قلوبهم  ...

أفاق أحد الجنود المكلفين بمراقبة المنزل من بعيدٍ من صدمته وأدار رأسه بسرعة وتوتر إلى الضابط المكلف بحراسة المنزل.
:-سيدي هل نقتحم المنزل ؟؟
نظر اليه الضابط الشاب بشرود  وقد بدا مذهولاً وغير مصدقٍ ثم انتبه قبل أن يصرخ فيه قائلاً: هل أنت مجنون أيه الجندي؟؟

ثم هدأ فجأة قبل أن يلقي نظرة أخيرة  بائسة تجاه المنزل المظلم وكل هؤلاء الجمع المحتشد إمامه ويقول: بل سنؤيدها كالعادة ..................ضد مجـــــــهول!!